السيد عباس علي الموسوي
368
شرح نهج البلاغة
خير التجارب ما تستطيع أن تأخذ منه الفائدة والعبرة ويسهل لك قصدك ويوضح لك الرؤيا في مسيرتك الحياتية ويعظك كي تصحح سلوكك وعملك ويشحذ من همتك للسير وفق العدل والحق والصدق . إذا اتعظت من خلال تجربتك فأنت الرابح والمستفيد . . . إذا كنت تظن الثقة بإنسان يظهر منه الدعة والورع فجربه بالأمانة . . . أودع عنده مقدارا من المال ، ثم انتظر ردهّ لك أو جحده . . . فلو ذهب المال منك فأنت الرابح . إنك بتجربتك هذه قد عرفت أمانة الرجل من خيانته فلربما استأمنته على أعظم من ذلك وأهم . . . فيكون الخطر عظيما وجسيما . . . وكذلك لو أقرضت إنسانا مالا دون أن تكتبه وتشهد عليه ثم أنكره عليك فإن إضاعة هذا المال إذا جعل منك رجلا حذرا ووعظك بأن لا تعود لمثلها فأنت الرابح والمصيب وهكذا دواليك . . . الرابع : قوله عليه السلام : بادر الفرصة قبل أن تكون غصة . في المأثور « الدنيا ساعة فاجعلها طاعة » ، وكذلك « اغتنموا الفرص فإنها تمر مر السحاب » ، والشاعر يقول : إذا درّت نياقك فاحتلبها * فما تدري الفصيل لمن يكون تفويت الفرص وإضاعتها يعد في بعض الأحيان جريمة يحاسب عليها الإنسان أمام اللّه وأمام أخيه الإنسان . . . فالشباب فرصة من فرص العمر تستطيع أن تقدم فيه الصالحات والأعمال الطيبة حيث إن القوى البدنية والعقلية والفكرية مؤهلة للعطاء ، فلو أضعت هذه الفرصة سوف تندم عندما تكبر وتشيب . . . سوف تندم عندما تضعف قواك فلا تستطيع المشي كما لا تستطيع الحركة ولا تستطيع التفكير السليم والتوجه المستقيم . . . عندما تأتي السنون لتنقض بنيتك وتحولك إلى هيكل بشري يحتاج إلى الإعانة وتقديم المساعدة . . . عندها فقط ستعض على يديك بل ستأكلها ندما وحسرة دون أن تنفع الندامة أو تفيد الحسرة . إن بعض المشاهد القرآنية تنقل لنا نموذجا لهذه الحالة المريرة . . . تنقل لنا طلب الرجعة إلى الدنيا كي يصلح الإنسان ما أفسد أو أهمل من العمل ولكن لا رجعة ولا عودة فقد واتتك الفرصة وكنت قادرا على العمل والنجاح فلما ذا لم تعمل حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . . . لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ . . . . لقد كنت في الحياة كان معك المتسع للعمل والجهاد ودعم الحق والنضال فلما ذا لم تنزل إلى هذا المعترك لما ذا تخليت عن هذه الميادين وقبعت في